في عالم أصبحت فيه الأخبار تصل إلينا في كل لحظة عبر الهاتف، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتنبيهات الفورية، لم تعد متابعة الأحداث مجرد عادة يومية عابرة، بل أصبحت لدى كثير من الناس جزءًا أساسيًا من الروتين. ورغم أن الاطلاع على الأخبار يساعد الإنسان على فهم ما يجري حوله، فإن المتابعة المفرطة للأخبار قد تتحول من وسيلة للمعرفة إلى مصدر ضغط نفسي وقلق دائم يؤثر في جودة الحياة والصحة النفسية بشكل واضح.كيف نحمي صحتنا النفسية زمن الحرب؟خلال السنوات الأخيرة، زادت وتيرة الأخبار العاجلة، وكثرت الموضوعات المرتبطة بالأزمات والكوارث والتقلبات الاقتصادية والصراعات، ما جعل كثيرًا من الأشخاص يعيشون في حالة ترقب مستمر. وهنا يظهر سؤال مهم: هل يمكن أن تؤدي المتابعة الكثيفة للأخبار إلى الإضرار بالصحة النفسية؟ والإجابة ببساطة هي نعم، خصوصًا عندما تتحول المتابعة إلى سلوك قهري أو إلى عادة تستهلك الوقت والطاقة الذهنية دون وعي.كيف تؤثر المتابعة المفرطة للأخبار على النفسية؟عندما يعرّض الإنسان نفسه بشكل متكرر لسيل من الأخبار السلبية، يبدأ الدماغ في التعامل مع هذا المحتوى بوصفه مصدر تهديد مستمر. حتى لو لم يكن الشخص جزءًا مباشرًا من الحدث، فإن التكرار المستمر لصور الأزمات والمشكلات والتحليلات المتشائمة قد يدفعه إلى الشعور بالخوف أو التوتر أو عدم الأمان.هذا التأثير النفسي لا يحدث فجأة، بل يتراكم تدريجيًا. فقد يشعر الشخص في البداية بأنه يريد فقط الاطمئنان ومعرفة المستجدات، ثم يجد نفسه بعد فترة غير قادر على التوقف عن التصفح أو مراجعة الأخبار كل ساعة أو حتى كل بضع دقائق. ومع الوقت، تتأثر حالته المزاجية، ويصبح أكثر قابلية للقلق والانشغال الذهني.القلق والتوتر المستمرانمن أبرز نتائج المتابعة المفرطة للأخبار أنها ترفع مستوى القلق النفسي. فالتعرض المتكرر للأخبار السلبية يجعل العقل في حالة استنفار دائم، وكأن خطرًا ما يقترب باستمرار. هذا النوع من القلق قد يظهر في صورة تفكير زائد، أو صعوبة في الاسترخاء، أو توتر داخلي مستمر حتى في الأوقات التي لا توجد فيها مشكلة حقيقية تمس حياة الشخص مباشرة.كذلك قد تؤدي المتابعة المكثفة للأخبار إلى ما يشبه الإرهاق العاطفي. فالشخص يقرأ عن مشكلات كثيرة في وقت قصير: حوادث، أزمات اقتصادية، اضطرابات، كوارث طبيعية، أو قصص إنسانية مؤلمة. ومع كثرة التعرض لهذه المواد، يصبح من الصعب عليه الحفاظ على توازنه النفسي، وقد يشعر بالحزن أو الضيق أو التشاؤم بشكل متكرر.التأثير على النوم والتركيزمن الأضرار الشائعة أيضًا أن الإفراط في متابعة الأخبار يؤثر في جودة النوم. كثير من الناس يتابعون الأخبار قبل النوم مباشرة، سواء عبر الهاتف أو التلفاز، ما يجعل العقل نشطًا ومشحونًا بالمعلومات والانفعالات. وبدلًا من أن يدخل الشخص في حالة هدوء تساعده على النوم، يبقى منشغلًا بالتفكير فيما قرأه أو شاهده، وقد يواجه صعوبة في النوم أو يستيقظ وهو يشعر بعدم الراحة.إلى جانب ذلك، فإن المتابعة المفرطة تضعف القدرة على التركيز. فالانتقال المستمر بين التطبيقات والعناوين العاجلة والتحليلات والتعليقات يشتت الانتباه، ويجعل العقل معتادًا على القفز السريع بين المعلومات. وهذا قد ينعكس سلبًا على الأداء في العمل أو الدراسة أو حتى في المهام اليومية البسيطة، لأن الذهن يصبح مرهقًا ومزدحمًا أكثر من اللازم.الإحساس بالعجز وفقدان السيطرةمن الجوانب النفسية المهمة أيضًا أن كثرة التعرض للأخبار السلبية قد تولّد شعورًا بالعجز. فحين يقرأ الشخص يوميًا عن أزمات كبيرة ومشكلات معقدة لا يملك القدرة على تغييرها، قد يشعر بأن العالم يزداد سوءًا، وأنه غير قادر على التحكم بأي شيء. هذا الإحساس قد يضعف الدافعية، ويزيد من النظرة السلبية للحياة، بل وقد يدفع بعض الناس إلى الانسحاب النفسي أو فقدان الاهتمام بالأمور الإيجابية من حولهم.كما أن بعض الأشخاص يصابون بما يمكن وصفه بـ"الإدمان الإخباري"، حيث يظنون أن التوقف عن المتابعة قد يجعلهم يفوتون أمرًا مهمًا أو خطرًا وشيكًا. وهنا تتحول المتابعة من سلوك واعٍ إلى حاجة نفسية ملحة، رغم أنها في كثير من الأحيان لا تضيف فائدة حقيقية بقدر ما تزيد الضغط الداخلي.مواقع التواصل تزيد المشكلةلم تعد المشكلة مرتبطة فقط بالقنوات الإخبارية التقليدية، بل تضاعف تأثيرها مع مواقع التواصل الاجتماعي. فهذه المنصات لا تقدم الأخبار بشكل هادئ ومنظم، بل تمزج الخبر بالرأي، والتحليل بالمبالغة، والمعلومة بالشائعة، وغالبًا ما تُعرض المحتويات بطريقة صادمة لجذب الانتباه. وهذا يجعل المتابع عرضة لكمّ هائل من الرسائل المتناقضة والمشحونة عاطفيًا.إضافة إلى ذلك، فإن التفاعل مع التعليقات والنقاشات الحادة حول الأخبار قد يزيد التوتر النفسي، خاصة عندما يواجه الشخص آراء متصادمة أو محتوى استفزازيًا بشكل متكرر. وهكذا لا يقتصر العبء النفسي على الخبر نفسه، بل يمتد إلى البيئة الرقمية المحيطة به.كيف نتابع الأخبار دون أن نؤذي أنفسنا؟المشكلة ليست في متابعة الأخبار بحد ذاتها، بل في الطريقة والكمية. فمن الطبيعي أن يرغب الإنسان في معرفة ما يحدث، لكن من المهم أن يضع حدودًا صحية لهذه العادة. يمكن مثلًا تخصيص وقت محدد في اليوم للاطلاع على الأخبار بدلًا من متابعتها بشكل مستمر. كما يُفضَّل الاعتماد على مصادر موثوقة وتجنب الاستغراق في متابعة التفاصيل المكررة أو المحتوى المبالغ فيه.ومن المفيد أيضًا تجنب قراءة الأخبار قبل النوم، وإعطاء النفس فترات راحة من الهاتف والتنبيهات. وعندما يشعر الشخص بأن الأخبار بدأت تؤثر على مزاجه أو نومه أو تركيزه، فهذه إشارة واضحة إلى أنه يحتاج إلى تقليل المتابعة وإعادة التوازن إلى يومه.كذلك من المهم موازنة المحتوى الإخباري بأنشطة أخرى أكثر راحة للنفس، مثل القراءة، أو المشي، أو ممارسة الرياضة، أو الجلوس مع العائلة، أو أي نشاط يمنح العقل فرصة للهدوء والتجدد.
تأثير المتابعة المفرطة للأخبار على الصحة النفسية
الثلاثاء - pm 03:01 | 2026-03-31
الرصد الطبي -
