الغموض يلفّ اللغز الأكبر في تفشي «إيبولا»

{title}
الرصد الطبي   -

تفاقم تفشي فيروس «إيبولا» في الكونغو منذ شهر أبريل (نيسان)، ليصل إلى أكثر من 1200 حالة مؤكدة و360 حالة وفاة، وليصبح بذلك ثالث أكبر وباء من نوعه منذ اكتشاف المرض قبل 50 عاماً.

غموض حول أصول المرض

ورغم حجمه المقلق، يكتنف هذا التفشي الغموض، لا سيما فيما يتعلق بأصوله.

يُعزى هذا التفشي إلى مسبب مرضي غير معروف كثيراً يُدعى «فيروس بوندي بوغيو» (Bundibugyo virus)، وهو واحد من ثلاثة أنواع فيروسية معروفة بأنها تسبب مرض «إيبولا». ويميل العلماء إلى الاعتقاد بأن الفيروس يستوطن عادةً في أجسام الحيوانات، ثم ينتقل عبر حاجز الأنواع بين الحين والآخر ليسبب تفشياً للمرض بين البشر.

لكن بعد سنوات من البحث، لم يتمكن الباحثون بعد من تحديد مكان اختباء الفيروس قبل أن يفتك بالبشر. وتقول ميكالا سوندارام، عالمة البيئة في جامعة جورجيا: «ليس لدينا أي معلومات على الإطلاق حول فيروس (بوندي بوغيو)».

 

وهذا الجهل يترك البشرية عرضة للخطر؛ إذ من المحتمل جداً أن يتسبب فيروس «بوندي بوغيو» في المزيد من حالات التفشي مستقبلاً. وتعتمد الوقاية منه جزئياً على معرفة مكان اختباء هذا المسبب المرضي. وينطبق الأمر ذاته على الفيروسات الأخرى المسببة لمرض «إيبولا»، وكذلك على فيروسات أخرى ذات صلة لم تنتقل بعد إلى البشر.

ظهر مرض «إيبولا» لأول مرة عام 1976 من خلال تفشٍّ وبائي مميت في موقعين: الأول في المنطقة التي كانت تُعرف آنذاك باسم زائير (وتُعرف حالياً بجمهورية الكونغو الديمقراطية)، والآخر في المنطقة التي تُعرف الآن بجنوب السودان. وكانت الأعراض متشابهة إلى حد كبير في كلا الموقعين، وشملت الحمى والقيء والنزيف. وانتهت بوفاة معظم المصابين.

اكتشف العلماء فيروسات متشابهة ذات شكل يشبه الثعبان في دماء الضحايا في كلا التفشيين. وكانت هذه الفيروسات تنتمي إلى العائلة نفسها، وهي عائلة الفيروسات الخيطية. (filoviruses) وعند الفحص الدقيق، تبيّن أن الفيروسين ينتميان إلى نوعين منفصلين؛ وهما يُعرفان اليوم باسم «فيروس إيبولا Ebola virus» و«فيروس السودان Sudan virus».

فيروسات «إيبولا»

ومما يثير الارتباك أن العلماء يطلقون اسم «فيروس إيبولا» على النوع الذي ظهر لأول مرة في زائير، رغم أن الفيروسات القريبة منه - مثل فيروس السودان وفيروس بوندي بوغيو - تسبب أيضاً مرض «إيبولا».

واستنتج المحققون أنه إذا لم تكن حالات التفشي التي حدثت عام 1976 مرتبطة ببعضها بعضاً، فمن المرجح أن الفيروسات قد انتقلت من حيوان مجهول إلى أول ضحاياها من البشر. وبدأت فرق دولية عملية بحث عما يُعرف بـ«المستودعات» - أي أنواع الحيوانات التي تأوي الفيروسات عادةً.

العلماء لم يعثروا على الفيروس في أنواع عدّة من الحيوانات

وقد فحصت هذه الفرق خفافيش تتغذى على الحشرات كانت تتخذ من مصنع لأقمشة القطن مأوى لها، وهو المصنع الذي كان يعمل فيه أول ضحية مسجلة للإصابة بفيروس السودان. كما شمل البحث الجرذان وبق الفراش والبعوض ومجموعة أخرى من الأنواع الحيوانية. لكن في النهاية، لم يعثر العلماء على أي أثر للفيروسين لدى أي حيوان في محيط أي من بؤرتي التفشي.

وفي العقود التي تلت ذلك، عثر الباحثون على مؤشرات، لكنهم لم يجدوا ما يشير بشكل قاطع إلى وجود مستودع حيواني محدد.

احتمالات نقل الخفافيش للفيروس

وعلى سبيل المثال، قام علماء في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة عام 1996 بحقن فيروس «إيبولا» في 19 نوعاً من الكائنات، شملت العناكب والسلاحف. ورغم أن الفيروس لم ينجح في إصابة معظم تلك الحيوانات بالمرض، فإنه تكاثر بمستويات عالية لدى ثلاثة أنواع من الخفافيش دون أن يتسبب في إصابتها بأي أعراض مرضية.

كما رصد العلماء آثاراً لفيروس «إيبولا» لدى خفافيش في بيئتها الطبيعية؛ إذ تحمل نسبة ضئيلة من خفافيش الفاكهة في أنحاء أفريقيا أجساماً مضادة للفيروس، بل إن الباحثين اكتشفوا في حالات قليلة أجزاءً جينية من الفيروس في دمائها.

غير أن صادق واسوا بابيسيزا، عالم البيئة في جامعة ماكيريري بأوغندا، يرى أن «هذا لا يعادل إثبات وجود مستودع للفيروس».

اختباء الفيروس داخل العينين والسائل المنوي لسنوات

وتشير سوندارام إلى أن الطرق المعتادة لتحديد المستودع الحيواني قد لا تجدي نفعاً في حالة فيروس «إيبولا»؛ فقد اكتشف العلماء أن الفيروس قادر على البقاء كامناً داخل أجسام البشر لسنوات، مختبئاً في أماكن مثل العينين والسائل المنوي.

وقد يتسبب المصابون بعدوى مستمرة أحياناً في إشعال بؤر تفشٍ جديدة بعد مرور سنوات. ورغم عدم معرفة ما إذا كانت خفافيش الفاكهة تصاب أيضاً بعدوى مستمرة، فإنه في حال حدوث ذلك، فإن البحث عن الفيروس في دمائها سيكون بلا جدوى.

وتقول سوندارام: «ستعجز الاختبارات التقليدية عن رصد الفيروس المختبئ في تلك الجيوب الصغيرة». ورجّحت أن الخفافيش المصابة بشكل مزمن قد تنقل الفيروس إلى غيرها عندما تتجمع في أسراب ضخمة للتغذية. وقد تُفرز الخفافيش المصابة الفيروس في لعابها وبرازها، وقد تصبح أشجار الفاكهة بؤراً ساخنة ينتشر فيها الفيروس إلى أنواع أخرى، بما في ذلك البشر.

لا أدلة على وجود «مستودع فيروسات»

أُجريت معظم هذه الأبحاث على فيروس «إيبولا»، وهو النوع الذي ظهر لأول مرة في زائير والذي تسبب في أكبر عدد من الوفيات على مدى الخمسين عاماً الماضية. ويكاد ينعدم وجود أدلة قاطعة على وجود خزانات لفيروسات أخرى تُسبب مرض «إيبولا».

وقد فحص العلماء عشرات الآلاف من الحيوانات من مئات الأنواع دون العثور على أي علامات واضحة لفيروس السودان أو فيروس «بونديبوجيو». ويحذرون من افتراض أن خفافيش الفاكهة هي عوائل للفيروس.

أما فيروس «بومبالي»، وهو نوع ذو صلة تم اكتشافه عام 2018، فلم يُعثر عليه في خفافيش الفاكهة، بل في الخفافيش آكلة الحشرات. (ولا يوجد دليل حتى الآن على انتقال هذا الفيروس إلى البشر).

وحتى لو كانت خفافيش الفاكهة أو الخفافيش آكلة الحشرات خزانات لهذه الفيروسات، فإن العلماء يدرسون أيضاً احتمال كونها جزءاً من شبكة بيئية أوسع من الحيوانات التي تنقل مسببات الأمراض فيما بينها، وهي شبكة لا تزال مجهولة إلى حد كبير.

غموض علمي ونهج جديد للرصد

«للأسف، لا تزال كل هذه الأمور غامضة»، كما قال فابيان لينديرتز، مدير معهد هيلمهولتز للصحة الواحدة في غرايفسفالد، ألمانيا. وأضاف أن جزءاً من المشكلة يكمن في أن العلماء عادةً ما يبحثون عن خزانات الفيروسات بشكل متقطع، ويسارعون بعد كل تفشٍّ إلى فحص الحيوانات.

ويشرع هو وزملاؤه في استراتيجية مختلفة، حيث يُنشئون محطات مراقبة طويلة الأمد في أفريقيا؛ ليتمكنوا من جمع عينات من البشر والحيوانات بشكل منتظم. لماذا هذه المراقبة المستمرة؟ قال ليندرتز: «أعتقد أن هذه التداعيات (الناتجة من الفيروس) تحدث في كثير من الأحيان أكثر مما نعتقد».