تنمو قدرات الطفل العقلية منذ اللحظات الأولى للحياة، وتتشكل أسس التعلم واللغة والانتباه عبر التجارب اليومية البسيطة. لذلك، تؤدّي العائلة دورًا مباشرًا في دعم هذا النمو، ليس عبر الأدوات المكلفة. بل من خلال عادات واعية ومتكررة ترافق الطفل في يومه.
ومن هنا، تبرز أهمية السلوكيات اليومية التي تبني الدماغ خطوة خطوة. فالكلام، والتفاعل، واللعب، والقراءة، واللمس، جميعها عناصر تخلق بيئة غنية ومحفزة. ومع الاستمرارية، تقود هذه العادات الطفل نحو تطور معرفي وعاطفي متوازن.
التحدث المستمر مع الطفل
في البداية، يفتح الحديث اليومي باب اللغة والتفكير أمام الطفل. فعندما تتحدث الأم أو الأب مع الطفل، يلتقط الدماغ الأصوات، ويربط الكلمات بالمعاني، ويخزن الإيقاع اللغوي. كما يساعد وصف الأنشطة اليومية، مثل تبديل الملابس أو تحضير الطعام، على توسيع الفهم السمعي حتى قبل ظهور الكلام.
وعلاوةً على ذلك، يعزز التحدث المستمر القدرة على التركيز وبناء المفردات. فكل جملة يسمعها الطفل تدعم مسارات عصبية جديدة، ومع التكرار، يزداد وضوح هذه المسارات ويقوى التعلم اللغوي.
الاستجابة لإشارات الطفل
بعد ذلك، تشكّل الاستجابة السريعة والدافئة لإشارات الطفل حجر أساس في نمو الدماغ. فعندما يبتسم الطفل ويبتسم له الوالد، أو عندما يبكي ويجد الاحتواء، يشعر بالأمان، ويثق بالعالم من حوله. هذا التفاعل المتبادل ينشط مناطق الدماغ المسؤولة عن العلاقات الاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، تقوّي هذه الاستجابة الروابط العصبية المرتبطة بالعاطفة والتنظيم الانفعالي. ومع الوقت، يتعلم الطفل التعبير عن مشاعره بثقة، ويطوّر قدرة أفضل على التواصل.
اللعب اليومي الهادف
ثم يأتي اللعب كوسيلة طبيعية للتعلم. فاللعب اليومي، حتى بأبسط الأدوات، ينشّط الذاكرة، ويعزز حل المشاكل، ويطوّر الخيال. كما يتيح اللعب التفاعلي فرصًا لفهم الأدوار الاجتماعية والتعبير عن المشاعر.
ومن ناحية أخرى، يدعم اللعب الحركي تطور التنسيق بين العين واليد، بينما ينمّي اللعب التخيلي التفكير الإبداعي. ومع الاستمرارية، يكتسب الطفل مهارات معرفية وعاطفية متكاملة.
القراءة المشتركة منذ الصغر
إضافةً إلى ذلك، تساهم القراءة المشتركة في تعزيز الانتباه والمفردات. فعندما ينظر الطفل إلى الصور ويسمع القصّة، يربط بين الكلمة والشكل والمعنى. كما تشجّع القراءة الحوار، خاصة عندما يطرح الأهل أسئلة بسيطة حول القصّة.
وفوق ذلك، تزرع القراءة حب المعرفة في ذهن الطفل، وتبني علاقة إيجابية مع الكتاب. ومع التكرار، تتطور مهارات الاستماع والتركيز بشكل ملحوظ.
الحب واللمس والروتين اليومي
أخيرًا، يمنح الحب الجسدي، مثل العناق والتدليك اللطيف، شعورًا عميقًا بالأمان. هذا الشعور يهيئ الدماغ للتعلم، لأن الطفل الهادئ يتعلم بشكل أفضل. كما يساعد الروتين اليومي المنتظم على تنظيم الساعة البيولوجية، ويقلّل التوتّر.
وبالإضافة إلى ذلك، يعزز الروتين القدرة على التوقع والفهم، ممّا يدعم الاستقرار العاطفي. ومع هذا الاستقرار، ينفتح الدماغ على اكتساب مهارات جديدة بثقة.
في النهاية، تصنع العادات اليومية البسيطة فرقًا كبيرًا في نمو دماغ الطفل. فالكلام، والتفاعل، واللعب، والقراءة، والحب، تشكل منظومة متكاملة تدعم التعلم منذ الصغر. ومع الالتزام والاستمرارية، ينمو الطفل في بيئة آمنة ومحفزة، ويكتسب أساسًا معرفيًا وعاطفيًا قويًا يرافقه طوال حياته. ومن الجدير بالذكر أنّنا سبق وكشفنا لكِ متى يعرف الطفل امه فعلًا؟

